المشاركات

آدَم

آدَم قصة آدم عليه السلام في القرآن هي قصة الإنسان الأول. خُلق من تراب، وارتقى بالخلق السوي إلى منزلة العقل والإرادة. وتعلم من الأسماء فضلًا من العلم ميزه على خلائق الأرض من ذي حياة وغير ذي حياة. وقضي له أن يكسب فضله بجهده، وأن يكون جهده غلبة لإرادته، وانتصارًا لعقله على جسده. وقصة هذه النشأة الآدمية يستوفيها القرآن في هذه الآيات: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ (المؤمنون: ١٢). ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ (السجدة: ٦–٩). وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (الحجر: ٢٨–٣١). وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْم...

عُمر الإنْسَان

عُمر الإنْسَان نبدأ هذه الفصول عن الإنسان في مذاهب العلم والفكر بفصل عام عن عمر الإنسان في هذا العالم؛ لأن تقدير الزمن الذي مضى على ابتداء حياة النوع الإنساني مرتبط بكل بحث عن أصل الإنسان في جميع المذاهب، ولا سيما مذهب النشوء أو التطور، وهو أول مذهب يتعين البحث فيه واستقراء ما يُقال عنه، تأييدًا وتفنيدًا، في تقرير مكان الإنسان من هذا الوجود، ومكانه بعد ذلك من عامة الأحياء. ونرى أن هذا المذهب أول المذاهب التي يتعين بحثها هنا لأنه أحرى أن يُسمى «مذهب مذاهب»، وأن يدرس على سعة تخرجه من حدود المذهب الواحد الذي يقصر على موضوعه الأصيل؛ فإنه ما كاد يظهر وينتشر بين أصحاب الدراسات حتى عاد هؤلاء يحسبون أنهم مطالبون بإعادة النظر في موضوعاتها؛ للمقابلة بين قواعدها ومقرراتها قبل انتشار مذهب التطور وبعده، فكتبوا عن تطور العلم، وتطور الفن، وتطور الأدب، وتطور السياسة، وعن أبواب شتى من الدراسات يُقال فيها اليوم غير ما قيل بالأمس؛ تبعًا للقوانين أو النظريات التي جاء بها النشوئيون. وسنبسط القول في هذا المذهب على وجه خاص، على قدر المستطاع، في حيز هذه الرسالة؛ لأنه على كل فرض من الفروض دعوى في قضية ا...

الإنسان ومَذهَب التَّطوُّر

الإنسان ومَذهَب التَّطوُّر القائلون بالتطور فرقتان: منهم من يعمم تطبيقه على الكون كله بما اشتمل عليه من مادة وقوة، ومنهم من يقصره على عالم الكائنات العضوية التي تشتمل على النبات والحيوان والإنسان، ولا تحيط بما عداها من الموجودات غير العضوية. والقائلون بالتطور العام يواجهون مسألة الخلق، أو مسألة الإيمان بالخالق في كلامهم عن العالم، وعن القوى المُسيِّرة له من خارجه أو داخله، ولا مناص لهم من التعرض لهذه القوى برأي من الآراء. فالذين يقصرون التطور على الأحياء يرجعون في تعليل تطورها إلى عوامل الطبيعة وما تشمله من مؤثرات البيئة والمناخ، وموارد الغذاء، ووسائل الحصول عليه، ولا يضطرهم القول بهذا التطور إلى التعرض لما وراء هذه العوامل الطبيعية بإثبات أو إنكار؛ فقد تكون عوامل الطبيعة في مذهبهم خاضعة لقوة عالية فوق الطبيعة، تودعها ما تشاء من النظم والنواميس، ولا يتناقض القول بالنظم الطبيعية عندهم والقول بما وراء الطبيعة، على حسب العقائد الدينية أو المذاهب الفلسفية. أما تعميم التطور على الكون كله فلا بد أن يسبقه السؤال عن القوة التي تملك تسيير هذا الكون منذ الأزل إلى غير نهاية، ولا بد للقائ...

التَّطوُّر قَبْلَ مَذْهَب التطوُّر

التَّطوُّر قَبْلَ مَذْهَب التطوُّر إن اختلاط الأنساب بين أنواع الحيوان خاطر قديم توارثه الأقدمون من أزمنة مجهولة، وندرت أمة من أمم السلف البعيد لم تتواتر فيها الأخبار والأساطير عن التناسل بين أنواع الحيوان، أو بين الإنسان والحيوان، أو بين الإنس والجن، أو بين الإنس وأرباب الأساطير المشبهين بالإنسان. ومرد هذه الأخبار والأساطير — على الأكثر — إلى جهل الأوائل بوظائف الأعضاء، وجهلهم بالشروط الحيوية التي تلزم للحمل والولادة وإمكان التناسل بين الأزواج المستعدة للتناسل في النوع الإنساني، فضلًا عن سائر الأنواع، فكل ما يلد من نوعه صالح عندهم للتوليد من الأنواع الأخرى من الأحياء. وقد سبق القول بالتطور وتدرج الكائنات كما سبق القول بتحول الأنواع وتناسلها، ولكن لعلة غير تلك العلة مردها — على الأرجح — إلى المفاضلة والترتيب بين الكائنات على حسب حظها من الحياة، أو من مشابهة الأحياء، ثم نشأت علوم الكيمياء والطب والزراعة، فكان للعلم عمله في التفرقة بين المواد الكيمية المعدنية والنباتية والحيوانية، واشترك الأحياء وغير الأحياء في مباحث الكيمياء، ثم جاءت في مباحث المتأخرين مقابلة الكيمياء العضوية بالكي...

أَثر مَذهَب النشُوء في الغَرْب

أَثر مَذهَب النشُوء في الغَرْب قُوبل إعلان مذهب النشوء في الغرب بثورة عاصفة من حملات الاستنكار والتكفير في البيئات الدينية، ويُرى بعد انقضاء أكثر من قرن على إعلان هذا المذهب، أن حملات الدينيين عليه في البلاد الغربية لم تكن أحذق ولا أليق بالبحث الديني أو العلمي، من أشباه هذه الحملات التي قُوبل بها في بلادنا الشرقية يوم انتقل إليها للمرة الأولى، كما سنبينه فيما يلي: لقد حرَّم بعض معاهد العلم تدريس مذهب النشوء، فظل هذا التحريم باقي الأثر إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى بسنوات، وحُوكم الأستاذ سكوب في دايتون (شهر يوليو سنة ١٩٢٥) لأنه خالف القانون الذي حرَّم تدريس المذهب لخروجه على العقيدة الدينية. وهذه بعض الأسئلة والأجوبة التي سُجِّلت أثناء المحاكمة بين محامي الدفاع وخبير الاتهام: – هل تقرر أن كل ما ورد في التوراة ينبغي أن يُقبل بتفسيره الحرفي؟ – أنا أقرر أن كل ما ورد في التوراة ينبغي أن يُقبل كما ورد فيها، وبعض ما جاء في التوراة قد ورد في سياق التشبيه؛ كقوله: «إنكم ملح الأرض»، فلا أستلزم من ذلك أن الإنسان كان ملحًا، أو أنه كان له دم من الملح، ولكنني أفهمه كما أفهم معنى شعب الله ...

مَذهَب التَّطوُّر في الشَّرق العَرَبي

مَذهَب التَّطوُّر في الشَّرق العَرَبي من خصائص مذهب دارون — على ما يظهر — أن يشيع على نحو واحد قبل الوقوف على شروحه وبراهينه، وأن يثير ضروبًا متقاربة من الاعتراض في مواطن العقيدة والثقافة العامة؛ فإنه لقي في الشرق العربي مثل ما لقيه من التحريف والاعتراض في البلاد الأوروبية، وتتابعت أدوار السماع به، ثم الإشاعة عنه، ثم الرد عليه بين المفكرين وقُرَّاء العلم الشرقيين، كما تتابعت قبل ذلك بين مفكري الغرب وقرائه، وتكرار هذا كله في الشرق العربي كأنه يحدث للمرة الأولى، ولم تنقشع شبهاته عن حقائقه إلا بعد الثورة المفاجئة التي يظهر — كما أسلفنا — أنها مقدمة لا بد منها، وأثر من آثار الصدمة الشعورية المفاجئة لا محيص عنه. وقد تصدى للرد عليه في الشرق الإسلامي عامة، والشرق العربي خاصة، نخبة من المفكرين وقادة الإصلاح والمجتهدين من أتباع جميع الأديان الكتابية، وناقشوه — كما شاع لأول وهلة بين الغربيين من قبل — كأنه مذهب يستلزم إنكار الخلق، ويزعم أن القردة جدود البشر أجمعين، فكل إنسان حديث فهو نسل متأخر لقرد قديم. وقلما يتصور القارئ العصري أن مذهبًا كمذهب التطور يشيع في الشرق العربي قبل مائة سنة، وي...